الفيض الكاشاني
360
علم اليقين في أصول الدين
وفعله مثال الحواسّ ، فإنّ البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ، ولا الشمّ يزاحمهما ، ولا هما يزاحمان الشمّ ، بل هي - أيضا - نوع منهم كما سنشير إليه . وهذا بخلاف اليد والرجل ، فإنّك قد تبطش بأصابع الرجل - بطشا ضعيفا - وقد تضرب غيرك برأسك ، فتزاحم بذينك اليد التي هي آلة البطش والضرب ؛ وكذلك الإنسان الذي يتولّى بنفسه الأفاعيل المختلفة ، فإنّ هذا نوع من العدول والاعوجاج عن العدل ، سببه اختلاف صفات الإنسان واختلاف دواعيه ، فإنّه ليس وحدانيّ الصفة ، فلم يكن وحدانيّ الفعل ؛ فلذلك تراه يطيع اللّه تارة ، ويعصيه أخرى ، لاختلاف دواعيه وصفاته . وذلك غير ممكن في طباع الملائكة ، بل هم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقّهم ، فلا جرم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ 66 / 6 ] يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ 21 / 20 ] ، والراكع منهم راكع أبدا ، والساجد منهم ساجد أبدا ، والقائم منهم قائم أبدا . وطاعتهم للّه - عزّ وجلّ - من حيث لا مجال للمخالفة فيهم يمكن أن يشبه بطاعة أطرافك لك ، فإنّك مهما جزمت الإرادة بفتح الأجفان لم يكن للجفن الصحيح تردّد ولا اختلاف في طاعتك مرّة ومعصيتك أخرى ، بل كأنّه منتظر لأمرك ونهيك ، ينفتح وينطبق متّصلا بإشارتك ، فهذا يشبهه من وجه ، ولكن يخالفه من وجه ، إذ الجفن لا علم له بما يصدر عنه من الحركة - فتحا وإطباقا - والملائكة أحياء عالمون بما يفعلون .